أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
197
العقد الفريد
هو المنان بفرائد النعم ، وعوائد المزيد ؛ وبجوده ضمنت عياله « 1 » الخلق ، ونهج سبيل الطلب للراغبين إليه ، وليس بما يسأل أجود منه بما لا يسأل ، وما اختلف عليه دهر فتختلف فيه حال ، ولو وهب ما انشقت عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلزّ اللجين « 2 » ، وسبائك العقيان ، وشذر الدر « 3 » ، وحصيد المرجان - لبعض عباده - ما أثر ذلك في ملكه ولا في جوده ولا أنفذ ذلك سعة ما عنده ، فعنده من الأفضال ما لا ينفده مطلب وسؤال ، ولا يخطر لكم على بال ؛ لأنه الجواد الذي لا ينقصه المواهب ، ولا يبرمه إلحاح الملحين بالحوائج وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون ، فما ظنّكم بمن هو كذا ولا هكذا غيره ، سبحانه وبحمده . أيها السائل ، أعقل ما سألتني عنه « 4 » ، ولا تسأل أحدا بعدي ؛ فإني أكفيك مئونة الطلب ، وشدة التعمق في المذهب ؛ وكيف يوصف الذي سألتني عنه ، وهو الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته ، وطول ولهم إليه ، وتعظيمهم جلال عزته ، وقربهم من غيب ملكوته - أن يعلموا من علمه إلّا ما علمهم ، وهو من ملكوت العرش بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه ، فقالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عما لم يحيطوا به علما ، وسمّي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا ؛ فاقتصر على هذا ولا تقدّر عظمة اللّه على قدر عقلك فتكون من الهالكين ؛ واعلم أن اللّه الذي لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال ، ولم يتغير في ذاته بمرور الأحوال . ولم يختلف على تعاقب الأيام والليالي - هو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله . بل أرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ربوبيته مما نطقت به آثار حكمته ، واضطرار الحاجة من الخلق إلى أن يفهمهم مبلغ قوّته - ما دلنا بقيام الحجة له بذلك علينا على معرفته .
--> ( 1 ) عيالة الخلق : كفايتهم ومئونتهم وقولهم . ( 2 ) فلزّ اللجين : معدن الفضّة . ( 3 ) شذر الدرّ : نظمة . ( 4 ) أعقل : افهم